سيد محمد طنطاوي

316

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأسفار والرحال إلى البلاد النائية ، والأقطار الشاسعة ، والبقر تؤكل ويشرب لبنها ، وتحرث عليها الأرض ، والغنم تؤكل ويشرب لبنها ، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها . فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة . . « « 1 » . وقوله - تعالى - : يُرِيكُمْ آياتِه فَأَيَّ آياتِ اللَّه تُنْكِرُونَ تعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة في الكون . والتي تدل جميعها على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته . ولفظ « أي » منصوب بقوله « تنكرون » وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام . أي : أنه - سبحانه - في كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته ، فقولوا لي . أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك . إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة للَّه - عز وجل - فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها ؟ فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شيء في هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان باللَّه الواحد القهار . ثم وبخهم - سبحانه - مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع الغابرين فقال : * ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . ) * . أي : أقبعوا في بيوتهم . فلم يسيروا في أقطار الأرض . فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم ، كقوم صالح وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم . فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب ، والفاء في قوله : * ( أَفَلَمْ . . ) * للعطف على مقدر . ثم فصل - سبحانه - حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال : * ( كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ ) * أي : في العدد * ( وأَشَدَّ قُوَّةً ) * أي في الأبدان والأجسام * ( وآثاراً فِي الأَرْضِ ) * أي : وكانوا أظهر منهم في العمران والحضارة والغنى . * ( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * أي أن هؤلاء الغابرين عندما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم . . . بل أخذناهم أخذ عزيز مقتدر في زمن يسير . ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال : * ( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . . ) * . أي : فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين ، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 147 .